كيف انحدرت الثقافة العربية من ذروتها إلى القاع؟

كيف انحدرت الثقافة العربية من ذروتها إلى القاع؟
    تحولت الثقافة العربية من ذروتها إلى القاع ومن احتواء مختلَف الثقافة إلى الاضمحلال والإشراف على الوفاة، فما الداعِي في هذا؟ وكيف يمكن الإصلاح؟ 

    تعبير الثقافة العربية عن نسق اجتماعي سائد بكل ما يحمله من معتقدات وطقوس وتربية وتعليم، وهي طريقة حياة تحافظ على الثقافة وتنقلها من جيل لآخر، وهي مجموع ما يصدره الأشخاص من منجزات فكرية أو علمية أو أدبية أو فنية في العالم العربي، وتُعتبر الثقافة مصطلحا مراوغا، يشمل اللغة أبوين والطقوس والتقاليد والخبرات والأفكار والرؤى، إضافة لكونها مفهوما يوضح أصالة الكلمة في اللغة على وجهيها الحقيقي والمجازي. 


    تعد الثقافة العربية من أغنى وأهم الثقافات الدولية، وتعود جذورها إلى ثقافة ما قبل الإسلام، أو ما اشتهر في تاريخ الأدب بالعصر الجاهلي، وتكونت من مجموعة هائلة من الحكم والخطب والقصائد والأمثال، صاغ العرب خلالها صورة حياة العربي بوضوح وعمق. بعد ظهور الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية كإحدى منطلقاتها لباقي ربوع الأرض، ونقلوا علوم العالم القديم بالترجمة ونقل الثقافات الشفوية والفنية بالاختلاط، وامتازت الثقافة العربية بكثرة المحققين، وقصاص الآثار، ما نقاها من الشوائب والتدليس ومحاولات الانتحال. 

    وللثقافة العربية مكونان رئيسيان لا يمكن فصلهما، الإسلام واللغة العربية، فاللغة صندوق لكل العلوم، ووسيلة للفهم والتعبير، وأهم أداة للتأثير على الذهن عبر الإحساس بحكمتها وآدابها، والإسلام يوسع تلك المفاهيم ويفتح آفاقا حديثة للثقافة لم تكن حاضرة قبل الإسلام. 

    جهود إحياء الثقافة العربية 

    ترتبط الحضارة ارتباطا وثيقا بالثقافة؛ إذ لا يمكن أن تنشأ حضارة سوى بثقافة حية تجعل من الحضارة تقدما، ومن الأعمال طقوس وتقاليد، ومن الإجراءات العادية موروثات إنسانية تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، وتتعدى الثقافة حواجز المحلية وتستمر مع غيرها من الثقافات كجزء من الحضارات المصدرة أو المنتجة بالخارج، وذلك لما وقع مع الثقافة العربية التي أنتجت الحضارة الإسلامية التي واصلت ما يزيد على أربعة عشر قرنا عبر الزمان، وما زالت تتوسع وتتجذر في المجتمعات الجديدة، وارتبط ازدهار الثقافات بشدة الجمهورية وضعفها، فمتى ضعفت الجمهورية انحدرت الثقافة، ومتى قويت الجمهورية ازدهرت الثقافة وازداد نشاطها وإنتاجها وإسهامها في خدمة الحضارة التي تبنيها الجمهورية وتشارك فيها الثقافة بنصيب وافر. 

    ومع تضاؤل الدول وانهيار الحضارات، لا تستسلم الثقافة لكن تحارب بهدف إبقاء الحضارة حية تنبض ولا تنتهي لتصبح هي المناضل الأوحد الذي واجه الاضمحلال المستشري في المجتمعات، لكنها تُصاب طبقا لقاعدة النفوذ والتأثر باضمحلال نسبي يتكاثر في طليعة الانحدار وبعد القيام، ويقوى في مراحل الانحدار الكامل وعقب الثبات النسبي.

     وبرزت مدرسة الإحياء والبعث كأشهر الحركات التي اهتمت بإحياء الأدب العربي في العصر الجديد، واتخذت من الإحياء اسما لها حتى تكون كالروح التي ترجع للجسد فتبعثه من وفاته حيا مجددا، واستطاعت مدرسة الإحياء يقاد من قبل محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وغيرهم من أعلام تلك المدرسة أن يعيدوا للأدب العربي هيبته مجددا وأن ينزعوا عنه لباس الاضمحلال والضعف الذي ارتداه منذ وقوع بغداد في يد التتار، الذين خربوا دور العلم في موجودة الخلافة آنذاك.

    بداية الانحدار وثورة الإحياء الجديدة

    وتوالت المدارس التي استكملت النشاط الإحيائي لمدرسة الإحياء حتى قامت ثورات التحرير في أربعينيات وخمسينات القرن السابق فاضمحلت مجددا شعبيا، وحلت موضعها الثقافات الشعبية التي ابتذلت الثقافات وانهارت بسببها، فانتشر الغناء الشعبي والأغنية القائمة على الشعوبية والانقسام بالتدوين بالعاميات المغيرة والنبطي، ما أدى لتشرذم الثقافة العربية وتحولها لتكتلات داخل كل مجتمع.

    عاودت الثقافة العربية إحياءها مكررا منذ مطلع ثمانينيات وتسعينيات القرن نفسه عبر مساعي جادة انتقلت فيها المدارس سريعا من الاشتراكية الواقعية إلى الحداثية وما بعدها، ليكتب الأدباء والنقاد بيديهم وروحهم وإحساسهم فصلا جديدا من فصول الإحياء، استغل كل الوسائل الجديدة من تلفزيون وإنترنت، وقديمة مثل الاجتماعات والصالونات ليعيد الثقافة مجددا إلى الحشد بعدما حوصرت في فئة النخبة المثقفة، التي لا تحرث سوى في المحروث وتنفخ في قربة ممتلئة بالهواء، وتسكب الماء في كوب فاض فيه الماء لكنه لا يفيض على من حوله. 

    واتسعت الثقافات انتشارا حتى بات لكل مدينة وقرية وزقاق منتدى أدبي، وصار تذوق الأدب كتذوق الفن المسموع والمرئي في صفوف العامة- حتى وإن تفاوتت درجات التذوق بينهم- ويرجع الفضل في هذا بالقرب من مشقات الأدباء والنقاد إلى التقنية الجديدة، وانتشار البرامج الثقافية، خاصة ما اهتم منها بإقامة المسابقات التنافسية بين الأدباء، وهو ما يتيح للعامة إمكانية الإنصات والتذوق؛ نظرا لجماهيرية طريقة العرض. 

    إحياء الثقافة العربية 

    يكثر الأتعاب الإحيائية، التي تركز علي إرجاع الثقافة العربية إلى مجدها يكون التليد، الذي تبوأته طيلة عهدها بالحياة منذ العصر الجاهلي وحتى وقوع بغداد، ومن مستهل البعث الجديد على يد محمود سامي البارودي والمدرسة الإحيائية وحتى منتصف خمسينيات القرن الماضى، ولم تخلُ مساعي البعث الجديدة من طفرات جعلت صاحبها في مقدمة مدرسة بعثية، حتى وإن قد كانت تجربة وحيدة، مثل التجربة النزارية، التي نشأت على يد الشاعر السوري نزار قباني، الذي أعاد ترسيم معنى الشعر والأدب وحوله من أدب النخبة إلى أدب العامة مجددا، وحوَّل جمهوره من العديد من آلاف متمركزين في التجمعات الأدبية والمراكز الثقافية والنوادي العلمية إلى العالم العربي باتساعه وجمهوره الذي بلغ لحوالي 150 مليون عربي زمانها. 

    انفرضت التجربة الخاصة بنزار قباني الأدبية المميزة بانقلابها على السريالية العميقة في وجدان الأدب العربي، وانتقل لتحرير الشعر العربي من قيوده، فأسس مدرسة اتفق علماء اللغة والنقاد على تسميتها بالمدرسة النزارية- نسبة إليه-؛ إذ اعتبر نزار قباني أن القارئ شريك له في كل ما يكتبه، وأن المؤلف والكاتب المنعزل عن المجتمع مؤلف وكاتب يقطن لنفسه ويموت بنفسه دون أن يكون أثر في مجتمع متعطش لإثراء ثقافته.

    ولم يكون نزار هو الشخص الوحيد الذي حاول واجتهد لايصال الأدب إلى الحشد العربي، فحارب كتاب الأدب المنثور للارتقاء بالثقافة العربية، ما جعل ذلك العصر عصر النثر بامتياز، أو قُل إن شئت عصر الحكاية، ونشأت فن القصة في العالم العربي بعد انتشار البعثات التعليمية إلى البلاد الغربية منذ أوائل القرن التاسع عشر، بل القصة في بدايتها تميزت بالسذاجة وقد كانت بدايتها كتاب تلخيص الإبريز في إنقاذ باريز لرفاعة الطهطاوي، واستمر فن القصة في التقدم حتى بلغ لمرحلة متقدمة، سُميت بمرحلة القصة الفنية والتحليلية، ما مكن نجيب محفوظ من نيل ممكن نوبل في الأدب عن إحدى رواياته ليسبقه ويتبع مجموعة من الكتاب الذين حرفوا أسماءهم من نور في تاريخ الثقافة العربية.

    طرق عملية للنهوض بالثقافة العربية 

    ولإعادة الثقافة العربية إلى مكانتها مرة أخرى يلزم أن نتبع أسلوبا علمية في إعادتها للحياة مكررا، بحيث تستمد من عنصريها مفتاحا لعودتها مرة أخرى: 
    • اتخاذ الإسلام مصدرا رئيسيا للنهوض، ومنهلا عذبا للثقافة، وتعد الثقافة الإسلامية إحدى العناصر الرئيسية للثقافة في العام العربي، وربما تتخذها بعض البلدان مصدرا أوحدا للثقافة. 
    • الرجوع للغة العربية معينا صافيا للصور والخيال، والإبداع التعبيري عن الحقيقة والمجاز، ومسوقا فعليا لكل العلوم والآداب، ووعاء لكل المشاعر والتصورات.
    • الحد من اللهجات التي تشرذم المجتمعات وتضيق منطقة انتشار الأفكار في النسق المحلي للهجة الصدارة للثقافة. توفر إرادة سياسية راغبة في الوقوف بالثقافة ومكافحة الاضمحلال والتردي، وتوفر تلك الكيفية قوة الدفع التي لا تقف نحو حاجز، و لديها قدرات عينية قادرة على تحريك دفة الإبداع باتجاه التفوق.

    إرسال تعليق